لم يزعزعها الأسر ولا وحشية التعذيب!

لم يزعزعها الأسر ولا وحشية التعذيب!

بقلم: رفيدة عطايا

لطالما كتبنا عن أسرانا البواسل، سردنا قصصهم، روينا مآسيهم، وصفنا معاناتهم... فلهم علينا حق في كتاباتنا، وأولوية من صفحاتنا الإلكترونية والمكتوبة، لما رضوا به من قدر مكتوب على كل فلسطيني وفلسطينية، فهم وجه من وجوه فلسطين الجريحة. لكنني اليوم خصصت كلماتي في حضرة أسيراتنا اللبوات اللاتي كنّ أسودًا في وجه الاحتلال، وكنّ سواسية كأسنان المشط مع الرجال، ليشاركنهم عذاب الأسر ومرارته. من هنا ستبدأ حكاية أسيرة مناضلة، جندية من جنود الوطن، كانت فداءً لفلسطين!

الأسيرة المحررة نسرين أبو كميل

كانت تعيش نسرين في غزة مع زوجها وأولادها السبعة حياة مستقرة إلى حد ما، (لا يوجد استقرار كامل في فلسطين بسبب لعنة الاحتلال)، إلى أن تم اعتقالها بتاريخ 18/10/2015 من معبر بيت حانون، ما يعرف لدى الاحتلال بمعبر "إيرز"، حيث كانت ذاهبة لزيارة عائلتها داخل الأراضي المحتلة في "حيفا"، بتهم كثيرة أبرزها: التواصل مع جهة "معادية"، تصوير أماكن حكومية، وتجنيد شباب من الداخل المحتل لصالح المقاومة...

ظروف الاعتقال

كان تحقيق معبر بيت حانون مليئًا بالاستفزازات العاطفية، والضغط النفسي على الأسيرة نسرين بإحضار طفلها ذي الشهور الثمانية إلى مركز التحقيق، وعرض صور زوجها وأطفالها وتهديدها بإحضارهم إذا لم تعترف... لكنها كانت أقوى من طغيان الاحتلال وخبثه، وظلت شامخة صلبة لم تزعزعها استفزازات الصهاينة، وتعاملت معها بكل برودة أعصاب... حتى أنها قبل أن تذهب لزيارة عائلتها أحست بشعور أنها لن تعود إلى غزة، فقامت بتحذير زوجها بأنه مهما حصل معها أن لا يلحقها وأولادها إلى المعبر.

بعد تحقيق المعبر الذي استمر سبع ساعات متواصلة، تم نقلها إلى تحقيق عسقلان معصبة العينين ومكبلة اليدين والأرجل. وقاموا بالاتصال بزوجها وإخباره بأنها موقوفة على ذمة التحقيق منذ 24 ساعة، بهدف اللعب على أعصابها وأعصاب أسرتها، لتكون هذه الخطوة بداية مشوار عذاب التحقيق الذي تعرضت له بوحشية دون اعتبار أنها امرأة!

الكرسي والشبح

بعد مرحلة تحقيق قاسية وشاقة، بين محقق داخل ومحقق خارج، أيدٍ مكبلة للخلف، أسئلة كثيرة ومتكررة، وتهم بخيانة كيان الاحتلال، ولا سيما أن نسرين من مواليد حيفا، أي من الأراضي المحتلة عام 48 التي ظن الاحتلال أنه قام بأسرلة شعبها، ليتفاجأ في محطات عديدة ويتم خذلانه.

استمرت حكاية التحقيق لأحد عشر يومًا، ثم تم نقلها إلى زنزانة تحت الأرض، وهناك تم تكبيل يديها ورفعهما إلى الأعلى، وقاموا برفعها عن الأرض عشرة سنتيمترات بواسطة سلاسل حديدية، لمدة 24 ساعة متواصلة! وكل ثلاث ساعات تقريبًا كان يتم فتح طاقة من السقف ويسكب عليها ماء مثلّج، وإلى الآن لا تزال تعاني من أمراض مزمنة بسبب ما تعرضت له من تعذيب وحشي.

بعد اثنين وعشرين يومًا، نقلت نسرين إلى سجن "هالشارون"، حيث كان عدد الأسيرات كبيرًا ووضع السجن مزريًا. فبين صدمة الأسر وجدران مغلقة لمدة ست سنوات، وبين مستقبلها الذي وضع قيد التنفيذ، وأطفالها الذين سلخت عنهم ولن تراهم لست سنوات، كانت عالقة، لا حول لها ولا قوة إلا بالله وبإيمانها ويقينها بأنه "يلي إلو ربّ ما بخاف".

كورونا والأسر

قام الاحتلال بنقل نسرين وعدد آخر من الأسيرات إلى سجن "الدامون"، فانفصلت الأسيرات عن بعضهن البعض، ليقمن بالاعتراض من خلال الإضراب عن الطعام، إلى حين إخضاع سلطات الاحتلال لطلباتهن، وجمع الأسيرات في قسم واحد من جديد. لم يكفِ نسرين أنها كانت محرومة من رؤية أفراد أسرتها، بسبب وجودهم في غزة ومنعهم من حقهم في زيارتها، حيث كانت تتواصل فقط مع المحامين، وتطمئن على أولادها من خلالهم، حتى أتت جائحة كورونا فازدادت المعاناة، بين تعقيم، وحذر وخوف من أن يفتك بهم الفيروس، وتحرم باقي الأسيرات من زيارة ذويهم لهن.

فكنّ يشترين الكمامات وأدوات التعقيم من "الكانتين"، لتجنب الإصابة بالفيروس بشكل أساس، ولكن رغم كل هذه الإجراءات، أصيب طبيب في العيادة، ونُقلت العدوى إلى الأسيرات، وتم حجرهن.

الإفراج 17/10/2021

بعد صراع مع مرض السرطان الذي فتك بنسرين خلال فترة الأسر، ومماطلة الاحتلال بإجراء عملية جراحية لها، خضعت نسرين لعملية استئصال للورم الخبيث... لكن من يستئصل لوعة قلبها، وسنين حرمانها من أبنائها وأسرتها؟! من يعيد لها الزمن إلى الوراء، لتواكب الخطوات الأولى لرضيعها الذي أصبح في المدرسة عند الإفراج عنها؟! تركته طفلاً تحمله بين يديها، لتجده يجيد قراءة الكلمات، ويتقن المشي، لكن لا يذكر شكل أمه، ولا يعرفها سوى من الصور القديمة.

"همّي على حالي أو عولادي"، تنهدت بها نسرين، وهي تستذكر معاناة الأسر، فقد هامت عليها الهموم كما تهيم الصقور على فريستها، وانقلبت حياتها رأسًا على عقب... لا وجع يضاهي وجع الأم على أطفالها، فهي تستطيع أن تتحمل وجع الولادة الذي يُعدّ من أصعب الأوجاع في الدنيا، ولا تستطيع تحمل فراق أولادها وحرمانها منهم.

طوبى لكل أم أسيرة ومحررة، حُرمت من أبنائها بفعل احتلال طاغٍ مستبد! وطوبى لكل طفل عاش وحيدًا حزينًا بانتظار تحرر أمه من سجون الاحتلال وزنازينه! ألا لعنة الله على الاحتلال، وعلى كل متخاذل ومطبع ومؤيد له!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي وكالة كنعان الإخبارية.

لم يزعزعها الأسر ولا وحشية التعذيب!

الجمعة 15 / يوليو / 2022

لطالما كتبنا عن أسرانا البواسل، سردنا قصصهم، روينا مآسيهم، وصفنا معاناتهم... فلهم علينا حق في كتاباتنا، وأولوية من صفحاتنا الإلكترونية والمكتوبة، لما رضوا به من قدر مكتوب على كل فلسطيني وفلسطينية، فهم وجه من وجوه فلسطين الجريحة. لكنني اليوم خصصت كلماتي في حضرة أسيراتنا اللبوات اللاتي كنّ أسودًا في وجه الاحتلال، وكنّ سواسية كأسنان المشط مع الرجال، ليشاركنهم عذاب الأسر ومرارته. من هنا ستبدأ حكاية أسيرة مناضلة، جندية من جنود الوطن، كانت فداءً لفلسطين!

الأسيرة المحررة نسرين أبو كميل

كانت تعيش نسرين في غزة مع زوجها وأولادها السبعة حياة مستقرة إلى حد ما، (لا يوجد استقرار كامل في فلسطين بسبب لعنة الاحتلال)، إلى أن تم اعتقالها بتاريخ 18/10/2015 من معبر بيت حانون، ما يعرف لدى الاحتلال بمعبر "إيرز"، حيث كانت ذاهبة لزيارة عائلتها داخل الأراضي المحتلة في "حيفا"، بتهم كثيرة أبرزها: التواصل مع جهة "معادية"، تصوير أماكن حكومية، وتجنيد شباب من الداخل المحتل لصالح المقاومة...

ظروف الاعتقال

كان تحقيق معبر بيت حانون مليئًا بالاستفزازات العاطفية، والضغط النفسي على الأسيرة نسرين بإحضار طفلها ذي الشهور الثمانية إلى مركز التحقيق، وعرض صور زوجها وأطفالها وتهديدها بإحضارهم إذا لم تعترف... لكنها كانت أقوى من طغيان الاحتلال وخبثه، وظلت شامخة صلبة لم تزعزعها استفزازات الصهاينة، وتعاملت معها بكل برودة أعصاب... حتى أنها قبل أن تذهب لزيارة عائلتها أحست بشعور أنها لن تعود إلى غزة، فقامت بتحذير زوجها بأنه مهما حصل معها أن لا يلحقها وأولادها إلى المعبر.

بعد تحقيق المعبر الذي استمر سبع ساعات متواصلة، تم نقلها إلى تحقيق عسقلان معصبة العينين ومكبلة اليدين والأرجل. وقاموا بالاتصال بزوجها وإخباره بأنها موقوفة على ذمة التحقيق منذ 24 ساعة، بهدف اللعب على أعصابها وأعصاب أسرتها، لتكون هذه الخطوة بداية مشوار عذاب التحقيق الذي تعرضت له بوحشية دون اعتبار أنها امرأة!

الكرسي والشبح

بعد مرحلة تحقيق قاسية وشاقة، بين محقق داخل ومحقق خارج، أيدٍ مكبلة للخلف، أسئلة كثيرة ومتكررة، وتهم بخيانة كيان الاحتلال، ولا سيما أن نسرين من مواليد حيفا، أي من الأراضي المحتلة عام 48 التي ظن الاحتلال أنه قام بأسرلة شعبها، ليتفاجأ في محطات عديدة ويتم خذلانه.

استمرت حكاية التحقيق لأحد عشر يومًا، ثم تم نقلها إلى زنزانة تحت الأرض، وهناك تم تكبيل يديها ورفعهما إلى الأعلى، وقاموا برفعها عن الأرض عشرة سنتيمترات بواسطة سلاسل حديدية، لمدة 24 ساعة متواصلة! وكل ثلاث ساعات تقريبًا كان يتم فتح طاقة من السقف ويسكب عليها ماء مثلّج، وإلى الآن لا تزال تعاني من أمراض مزمنة بسبب ما تعرضت له من تعذيب وحشي.

بعد اثنين وعشرين يومًا، نقلت نسرين إلى سجن "هالشارون"، حيث كان عدد الأسيرات كبيرًا ووضع السجن مزريًا. فبين صدمة الأسر وجدران مغلقة لمدة ست سنوات، وبين مستقبلها الذي وضع قيد التنفيذ، وأطفالها الذين سلخت عنهم ولن تراهم لست سنوات، كانت عالقة، لا حول لها ولا قوة إلا بالله وبإيمانها ويقينها بأنه "يلي إلو ربّ ما بخاف".

كورونا والأسر

قام الاحتلال بنقل نسرين وعدد آخر من الأسيرات إلى سجن "الدامون"، فانفصلت الأسيرات عن بعضهن البعض، ليقمن بالاعتراض من خلال الإضراب عن الطعام، إلى حين إخضاع سلطات الاحتلال لطلباتهن، وجمع الأسيرات في قسم واحد من جديد. لم يكفِ نسرين أنها كانت محرومة من رؤية أفراد أسرتها، بسبب وجودهم في غزة ومنعهم من حقهم في زيارتها، حيث كانت تتواصل فقط مع المحامين، وتطمئن على أولادها من خلالهم، حتى أتت جائحة كورونا فازدادت المعاناة، بين تعقيم، وحذر وخوف من أن يفتك بهم الفيروس، وتحرم باقي الأسيرات من زيارة ذويهم لهن.

فكنّ يشترين الكمامات وأدوات التعقيم من "الكانتين"، لتجنب الإصابة بالفيروس بشكل أساس، ولكن رغم كل هذه الإجراءات، أصيب طبيب في العيادة، ونُقلت العدوى إلى الأسيرات، وتم حجرهن.

الإفراج 17/10/2021

بعد صراع مع مرض السرطان الذي فتك بنسرين خلال فترة الأسر، ومماطلة الاحتلال بإجراء عملية جراحية لها، خضعت نسرين لعملية استئصال للورم الخبيث... لكن من يستئصل لوعة قلبها، وسنين حرمانها من أبنائها وأسرتها؟! من يعيد لها الزمن إلى الوراء، لتواكب الخطوات الأولى لرضيعها الذي أصبح في المدرسة عند الإفراج عنها؟! تركته طفلاً تحمله بين يديها، لتجده يجيد قراءة الكلمات، ويتقن المشي، لكن لا يذكر شكل أمه، ولا يعرفها سوى من الصور القديمة.

"همّي على حالي أو عولادي"، تنهدت بها نسرين، وهي تستذكر معاناة الأسر، فقد هامت عليها الهموم كما تهيم الصقور على فريستها، وانقلبت حياتها رأسًا على عقب... لا وجع يضاهي وجع الأم على أطفالها، فهي تستطيع أن تتحمل وجع الولادة الذي يُعدّ من أصعب الأوجاع في الدنيا، ولا تستطيع تحمل فراق أولادها وحرمانها منهم.

طوبى لكل أم أسيرة ومحررة، حُرمت من أبنائها بفعل احتلال طاغٍ مستبد! وطوبى لكل طفل عاش وحيدًا حزينًا بانتظار تحرر أمه من سجون الاحتلال وزنازينه! ألا لعنة الله على الاحتلال، وعلى كل متخاذل ومطبع ومؤيد له!