المواجهة، المُصالحة، التهدئة...ثلاثيّة السنوار

المواجهة، المُصالحة، التهدئة...ثلاثيّة السنوار

بقلم: حسن لافي

حسن لافي

المواجهة مع "إسرائيل"، المُصالحة، التهدئة، ثلاث قضايا طرحها رئيس حركة حماس في قطاع غزّة "يحيى السنوار" في حوار سياسي استمر لما يُقارب الخمس ساعات مع نخبة من الكُتّاب والمُحلّلين السياسيين في غزّة، حيث كان من الواضح رغم صعوبة الفصل بين تلك الموضوعات الثلاثة، إلا أنها بمجملها ستلعب دوراً كبيراً في صوغ مستقبل المشهد السياسي الفلسطيني، وخاصة في قطاع غزّة، وستحدّد مسارات العلاقات الحمساوية مع كل من الداخل الفلسطيني، والإقليم والمجتمع الدولي، وحتى مع دولة الاحتلال.

 
 

ظهر بشكلٍ ملحوظ أن السنوار كان مرتاحاً جداً بحديثه المطوّل عن قدرات المقاومة، والتطوّرات النوعية والكمية، التي حقّقتها في معركة الاستعداد لأية حربٍ قادمة مع "إسرائيل"، حيث الهدف من وراء هذا الحديث لم يقتصر فقط على إرسال رسائل تهديد إلى دولة الاحتلال كمُراكمة لقوّة ردع المقاومة، إلا أن الأمر تخطّى ذلك لما يمكن تسميته استثمار الجهد الحربي للمقاومة في المواجهة السياسية مع "إسرائيل"، فمن الواضح أن المقاومة باتت مُقتنعةً أن اتخاذ قرار الحرب الصهيوني على غزّة ليس بالأمر السهل على أية قيادة إسرائيلية مهما كان رصيدها من التهوّر، حيث عبّر السنوار عن ذلك بشكل غير مباشر عندما أعلن أن استراتيجية المقاومة في هذه المرحلة هي "كسر إرادة القتال لدى الجيش الصهيوني تجاه غزّة".

حديث السنوار عن قدرات المقاومة العسكرية لم يكن منفصلاً عن واقع الحاضنة الشعبية في غزّة، بل كان مشحوناً باهتمامٍ بالغٍ من قِبَلِه لأزمات الناس المعيشية في غزّة لدرجة أن الكلمة الأكثر تكراراً في حديثه ، هي" الأوضاع الصعبة لحاضنتنا الشعبية".

هذا الإدراك ارتبط بأمرين :

  1. اعتراف السنوار أنه رغم كون الاحتلال والحصار يتحمّلون مسؤولية كُبرى في التضييق على أهل غزّة، إلا أنه مُدرِك لدرجة الاعتراف منه أن تجربة حماس في الحُكم الرشيد كان ممكن أن تكون أفضل من ذلك.
  2. نتج من هذا الإدراك إصرار حقيقي يكاد يصل إلى حد الاندفاع الطوفاني من قِبَل السنوار على كسر الحصار من أجل التخفيف على أهل غزّة، بشتّى الطُرق والوسائل, التي تُمكٍّن أهل غزّة أن يعيشوا حياة كريمة محافظين على ثوابتهم الوطنية، في ظلال بنادق مقاومتهم، لذلك كانت رسالة السنوار لأهل غزّة (أبشروا الحصار سيُكسر، بعز عزيز أو ذُلّ ذليل).

دلالة هذا الأمر، أن الهمّ المعيشي للحاضنة الشعبية، يُعتبر المُحدّد المركزي لقراءة اتجاهات قرارات السنوار، وآلية تعاطي حركة حماس بالنسبة لمسارات ملفيّ المُصالحة والتهدئة، حيث برز في حديث السنوار عن وجود مقاربتين مطروحتين على طاولة النقاش.

الأولى, المساعي المصرية، التي تعتمد على فكرة الربط ما بين المُصالحة والتهدئة في ذات المسار بحيث تكون الأولى مدخلاً للوصول إلى الثانية، لكن من الواضح للمتابع للمشهد الفلسطيني أن هناك معوّقين أساسيين أمام هذه المقاربة، هما:

  1. موقف السلطة المُتعنّت في رام الله من المُصالحة، السلطة التي تفرض العقوبات على غزّة على مدار سنتين، واستثارت العداوات مع فصائل رئيسية حتى في داخل منظمة التحرير الفلسطينية، من خلال فرضها لأمرٍ واقعٍ في المنظمة بعيداً عن مفهوم الشراكة الوطنية، من أجل إنجاح استراتيجية إخضاع حركة حماس من خلال التضييق على الحاضنة الشعبية في غزّة، من أجل إرغامها للامتثال الكامل لشروط السلطة تحت شعار "التمكين"، لذلك ليس من السهل على السلطة القبول بالمسار المصري، لأنها تُدرك أن المُحصّلة النهائية له إعلان فشل استراتيجية إخضاع حماس، هذا الأمر انعكس سلباً على موقفها من الورقة المصرية بشكلٍ خاص، ومن الدور المصري بشكلٍ عام.
  2. عامل الوقت المطلوب لتغيير مواقف الأطراف للموافقة على المُصالحة وخصوصاً موقف حركة فتح والسلطة في رام الله، فالجميع يدرك ضغط الحال المعيشية الصعبة على أهل غزّة، لذا ليس من المُستغرَب على "يحيى السنوار" أن يقول:" نفضّل أن تكون هناك مُصالحة ، ولكن لا يمكن أن ننتظر إتمامها للأبد.... المُصالحة لها سقف زمني إن لم تحدث فخيار التهدئة موجود". بمعنى أن حماس لن تسمح للسلطة باستمرار استراتيجية الإخضاع من خلال اللعب على وتر إطالة أمد مفاوضات المُصالحة.

ثانياً، مسار الفصل ما بين المُصالحة والتهدئة، والبدء من التهدئة مع الاستمرار بمساعي المُصالحة، بمعنى أن يتمّ عقد تهدئة تنتج حالة من الراحة النسبية للحاضنة الشعبية في قطاع غزّة، هذا الخيار ترفضه السلطة بشّدة لأنها تعتبره اعترافاً من قِبَل الإقليم والمجتمع الدولي، ولو ضمنياً بشرعية حركة حماس كلاعبٍ رئيسي في الساحة الفلسطينية، ناهيك أن هذا المسار سيُتيح لحماس الذهاب للمُصالحة بأوراقٍ سياسيةٍ أقوى، وبحاضنة شعبية أكثر راحة، ما يُحسِّنْ من موقفها في مفاوضات المُصالحة، خاصة أن حماس على ضوء مسيرات العودة والتصعيدات العسكرية الأخيرة، باتت تلمس حاجة إسرائيلية، واقليمية لتبريد ساحة غزّة، خاصة مع تولُّد قناعة لديهم أن المقاومة في غزّة لا يمكن كسرها، ويجب التعايش معها حتى ولو لفترةٍ زمنيةٍ ، ومن هنا يأتي دافع الحراك الاقليمي والدولي للتهدئة حتى ولو في مسارٍ منفصلٍ عن المُصالحة ، هذا الأمر تدركه المقاومة لذا السنوار تكلّم عن "هدوء مقابل حرية غزّة" بمعنى لا أثمان سياسية للتهدئة.

من الواضح أن التهدئة ستتحقّق بأيٍّ من المسارين، كما وعد السنوار، ولكن الخشية الحقيقية إلى متى ستستمر هذه التهدئة؟ ولكن أية فرصة لحياة كريمة لغزّة هي مكسب للحاضنة الشعبية للمقاومة، وتعزيز لمشروعها في المنطقة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي وكالة كنعان الإخبارية.

المواجهة، المُصالحة، التهدئة...ثلاثيّة السنوار

الثلاثاء 04 / سبتمبر / 2018

حسن لافي

المواجهة مع "إسرائيل"، المُصالحة، التهدئة، ثلاث قضايا طرحها رئيس حركة حماس في قطاع غزّة "يحيى السنوار" في حوار سياسي استمر لما يُقارب الخمس ساعات مع نخبة من الكُتّاب والمُحلّلين السياسيين في غزّة، حيث كان من الواضح رغم صعوبة الفصل بين تلك الموضوعات الثلاثة، إلا أنها بمجملها ستلعب دوراً كبيراً في صوغ مستقبل المشهد السياسي الفلسطيني، وخاصة في قطاع غزّة، وستحدّد مسارات العلاقات الحمساوية مع كل من الداخل الفلسطيني، والإقليم والمجتمع الدولي، وحتى مع دولة الاحتلال.

 
 

ظهر بشكلٍ ملحوظ أن السنوار كان مرتاحاً جداً بحديثه المطوّل عن قدرات المقاومة، والتطوّرات النوعية والكمية، التي حقّقتها في معركة الاستعداد لأية حربٍ قادمة مع "إسرائيل"، حيث الهدف من وراء هذا الحديث لم يقتصر فقط على إرسال رسائل تهديد إلى دولة الاحتلال كمُراكمة لقوّة ردع المقاومة، إلا أن الأمر تخطّى ذلك لما يمكن تسميته استثمار الجهد الحربي للمقاومة في المواجهة السياسية مع "إسرائيل"، فمن الواضح أن المقاومة باتت مُقتنعةً أن اتخاذ قرار الحرب الصهيوني على غزّة ليس بالأمر السهل على أية قيادة إسرائيلية مهما كان رصيدها من التهوّر، حيث عبّر السنوار عن ذلك بشكل غير مباشر عندما أعلن أن استراتيجية المقاومة في هذه المرحلة هي "كسر إرادة القتال لدى الجيش الصهيوني تجاه غزّة".

حديث السنوار عن قدرات المقاومة العسكرية لم يكن منفصلاً عن واقع الحاضنة الشعبية في غزّة، بل كان مشحوناً باهتمامٍ بالغٍ من قِبَلِه لأزمات الناس المعيشية في غزّة لدرجة أن الكلمة الأكثر تكراراً في حديثه ، هي" الأوضاع الصعبة لحاضنتنا الشعبية".

هذا الإدراك ارتبط بأمرين :

  1. اعتراف السنوار أنه رغم كون الاحتلال والحصار يتحمّلون مسؤولية كُبرى في التضييق على أهل غزّة، إلا أنه مُدرِك لدرجة الاعتراف منه أن تجربة حماس في الحُكم الرشيد كان ممكن أن تكون أفضل من ذلك.
  2. نتج من هذا الإدراك إصرار حقيقي يكاد يصل إلى حد الاندفاع الطوفاني من قِبَل السنوار على كسر الحصار من أجل التخفيف على أهل غزّة، بشتّى الطُرق والوسائل, التي تُمكٍّن أهل غزّة أن يعيشوا حياة كريمة محافظين على ثوابتهم الوطنية، في ظلال بنادق مقاومتهم، لذلك كانت رسالة السنوار لأهل غزّة (أبشروا الحصار سيُكسر، بعز عزيز أو ذُلّ ذليل).

دلالة هذا الأمر، أن الهمّ المعيشي للحاضنة الشعبية، يُعتبر المُحدّد المركزي لقراءة اتجاهات قرارات السنوار، وآلية تعاطي حركة حماس بالنسبة لمسارات ملفيّ المُصالحة والتهدئة، حيث برز في حديث السنوار عن وجود مقاربتين مطروحتين على طاولة النقاش.

الأولى, المساعي المصرية، التي تعتمد على فكرة الربط ما بين المُصالحة والتهدئة في ذات المسار بحيث تكون الأولى مدخلاً للوصول إلى الثانية، لكن من الواضح للمتابع للمشهد الفلسطيني أن هناك معوّقين أساسيين أمام هذه المقاربة، هما:

  1. موقف السلطة المُتعنّت في رام الله من المُصالحة، السلطة التي تفرض العقوبات على غزّة على مدار سنتين، واستثارت العداوات مع فصائل رئيسية حتى في داخل منظمة التحرير الفلسطينية، من خلال فرضها لأمرٍ واقعٍ في المنظمة بعيداً عن مفهوم الشراكة الوطنية، من أجل إنجاح استراتيجية إخضاع حركة حماس من خلال التضييق على الحاضنة الشعبية في غزّة، من أجل إرغامها للامتثال الكامل لشروط السلطة تحت شعار "التمكين"، لذلك ليس من السهل على السلطة القبول بالمسار المصري، لأنها تُدرك أن المُحصّلة النهائية له إعلان فشل استراتيجية إخضاع حماس، هذا الأمر انعكس سلباً على موقفها من الورقة المصرية بشكلٍ خاص، ومن الدور المصري بشكلٍ عام.
  2. عامل الوقت المطلوب لتغيير مواقف الأطراف للموافقة على المُصالحة وخصوصاً موقف حركة فتح والسلطة في رام الله، فالجميع يدرك ضغط الحال المعيشية الصعبة على أهل غزّة، لذا ليس من المُستغرَب على "يحيى السنوار" أن يقول:" نفضّل أن تكون هناك مُصالحة ، ولكن لا يمكن أن ننتظر إتمامها للأبد.... المُصالحة لها سقف زمني إن لم تحدث فخيار التهدئة موجود". بمعنى أن حماس لن تسمح للسلطة باستمرار استراتيجية الإخضاع من خلال اللعب على وتر إطالة أمد مفاوضات المُصالحة.

ثانياً، مسار الفصل ما بين المُصالحة والتهدئة، والبدء من التهدئة مع الاستمرار بمساعي المُصالحة، بمعنى أن يتمّ عقد تهدئة تنتج حالة من الراحة النسبية للحاضنة الشعبية في قطاع غزّة، هذا الخيار ترفضه السلطة بشّدة لأنها تعتبره اعترافاً من قِبَل الإقليم والمجتمع الدولي، ولو ضمنياً بشرعية حركة حماس كلاعبٍ رئيسي في الساحة الفلسطينية، ناهيك أن هذا المسار سيُتيح لحماس الذهاب للمُصالحة بأوراقٍ سياسيةٍ أقوى، وبحاضنة شعبية أكثر راحة، ما يُحسِّنْ من موقفها في مفاوضات المُصالحة، خاصة أن حماس على ضوء مسيرات العودة والتصعيدات العسكرية الأخيرة، باتت تلمس حاجة إسرائيلية، واقليمية لتبريد ساحة غزّة، خاصة مع تولُّد قناعة لديهم أن المقاومة في غزّة لا يمكن كسرها، ويجب التعايش معها حتى ولو لفترةٍ زمنيةٍ ، ومن هنا يأتي دافع الحراك الاقليمي والدولي للتهدئة حتى ولو في مسارٍ منفصلٍ عن المُصالحة ، هذا الأمر تدركه المقاومة لذا السنوار تكلّم عن "هدوء مقابل حرية غزّة" بمعنى لا أثمان سياسية للتهدئة.

من الواضح أن التهدئة ستتحقّق بأيٍّ من المسارين، كما وعد السنوار، ولكن الخشية الحقيقية إلى متى ستستمر هذه التهدئة؟ ولكن أية فرصة لحياة كريمة لغزّة هي مكسب للحاضنة الشعبية للمقاومة، وتعزيز لمشروعها في المنطقة.