الإعجاز في قوله تعالى (حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون)

الإعجاز في قوله تعالى (حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون)

الإعجاز العلمي في الآية الكريمة:

اكتشف العلماء أن للنمل لغات تفاهم خاصة بينها وذلك من خلال تقنية التخاطب من خلال الشفرات الكيماوية، وربما كان الخطاب الذي وجهته النملة إلى قومها هو عبارة عن شفرة كيماوية.فقد أثبتت أحدث الدراسات العلمية أن لكل نوع من أنواع الحيوانات رائحة خاصة به، وداخل النوع الواحد هناك روائح إضافية تعمل بمثابة بطاقة شخصية أو جواز سفر للتعريف بشخصية كل حيوان أو العائلات المختلفة، أو أفراد المستعمرات المختلفة. ولم يكن عجيباً أن نجد أحد علماء التاريخ الطبيعي وهو (رويال وكنسون) قد صنف كتاباً مهماً جعل عنوانه (شخصية الحشرات).

والرائحة تعتبر لغة خفية أو رسالة صامتة تتكون مفرداتها من مواد كيماوية أطلق عليها العلماء اسم (فرمونات)، وتجدر الإشارة إلى أنه ليست كل الروائح (فرمونات)، فالإنسان يتعرف على العديد من الروائح في الطعام مثلاً ولكنه لا يتخاطب أو يتفاهم من خلال هذه الروائح، ويقصر الباحثون استخدام كلمة (فرمون) على وصف الرسائل الكيماوية المتبادلة بين حيوان من السلالة نفسها، وعليه فقد توصف رائحة بأنها (فرمون) بالنسبة إلى حيوان معين، بينما تكون مجرد رائحة بالنسبة لحيوان آخر.

وإذا طبقنا هذا على عالم النمل نجد أن النمل يتميز برائحة خاصة تدل على العش الذي ينتمي إليه، والوظيفة التي تؤديها كل نملة في هذا العش حيث يتم إنتاج هذه الفرمونات من غدة قرب الشرج، وحينما تلتقي نملتان فإنهما تستخدمان قرون الاستشعار، وهي الأعضاء الخاصة بالشم، لتعرف الواحدة الأخرى.

وقد وجد أنه إذا دخلت نملة غريبة مستعمرة لا تنتمي إليها، فإن النمل في هذه المستعمرة يتعرفن عليها عن طريق رائحتها ويعدها عدواً، ثم يبدأ في الهجوم عليها، ومن الطريف أنه في إحدى التجارب المعملية وجد أن إزالة الرائحة الخاصة ببعض النمل التابع لعشيرة معينة ثم إضافة رائحة خاصة بنوع آخر عدو له، أدى إلى مهاجمته بأفراد من عشيرته نفسها. وفي تجربة أخرى تم غمس نملة برائحة نملة ميتة ثم أعيدت إلى عشها، فلوحظ أن أقرانها يخرجونها من العش لكونها ميتة، وفي كل مرة تحاول فيها العودة يتم إخراجها ثانية على الرغم من أنها حية تتحرك وتقاوم، وحينما تمت إزالة رائحة الموت فقط تم السماح لهذه النملة بالبقاء في العش. وحينما تعثر النملة الكشافة على مصدر للطعام فإنها تقوم على الفور بإفراز (الفرمون) اللازم من الغدد الموجودة في بطنها لتعليم المكان ثم ترجع إلى العش، وفي طريق عودتها لا تنسى تعليم الطريق حتى يتعقبها زملاؤها، وفي الوقت نفسه يضيفون مزيداً من الإفراز لتسهيل الطريق أكثر فأكثر. ومن العجيب أن النمل يقلل الإفراز عندما يتضاءل مصدر الطعام ويرسل عدداً أقل من الأفراد إلى مصدر الطعام، وحينما ينضب هذا المصدر تماماً فإن آخر نملة، وهي عائدة إلى العش لا تترك أثراً على الإطلاق.

وهنالك العديد من التجارب التي يمكن إجراؤها على دروب النمل هذه، فإذا أزلت جزءاً من هذا الأثر بفرشاة مثلاً، فإن النمل يبحث في المكان وقد أصابه الارتباك حتى يهتدي إلى الأثر ثانية، وإذا وضعت قطعة من الورق بين العش ومصدر الطعام فإن النمل يمشي فوقها واضعاً أثراً كيماوياً فوقها، ولكن لفترة قصيرة، حيث إنه إذا لم يكن هناك طعام عند نهاية الأثر، فإن النمل يترك هذا الأثر ويبدأ في البحث عن طعام من جديد(19).

لقد أشار القرآن الكريم إلى حقيقة علمية كبيرة وهي ذكاء النمل وقدرته على المحاكمة العقلية والفكرية ومواجهة الأخطار وذلك من خلال هذه القصة التي حدثت مع نبي الله سليمان عليه السلام وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، فقد استطاعت نملة صغيرة من تحديد مكان سليمان والطريق الذي سوف يمر به وهذا لم يكن ليتم لولا هذه القدرات الخارقة التي يتمتع بها النمل. ولقد كشف العلم الحديث عن بعض العجائب من سلوك النمل الذكي وتطور جهازها العصبي فعند دراسته تحت المجهر يظهر لنا أن دماغ النملة يتكون من فصين رئيسيين يشبه مخ الإنسان، ومن مراكز عصبية متطورة وخلايا حساسة.

(صورة حديثة لدماغ النملة)

A: صورة الدماغ كما يظهر بواسطة الفلور المشع.

B: صورة للجزء الخاص بتحليل المعلومات في دماغ النملة.

C: منحنى يبين استجابة النملة لدى نشر رائحة معينة، حيث نلاحظ وجود نشاط في الدماغ تمثله القفزة في المنحنى.

D: اختبار للنملة بواسطة كرة إلكترونية تظهر ذكاء النمل وسرعة استجابته للمؤثرات.

وسنحاول تفصيل العبارات التي نطقت بها النملة من خلال ما جاء في القرآن الكريم ونربطه بالاكتشافات العلمية لنجد أن القرآن الكريم سبق هذه الاكتشافات بمئات السنين، يقول رب العزة في كتابه المبين: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: 18]، فالنملة في هذه الآية أوصلت خبر الخطر في أربع مراحل متسلسلة.. وهي كالتالي:

1- ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾: وهذه العبارة بمثابة أول صفارة إنذار أطلقتها النملة لتثير الانتباه العاجل لباقي النمل، وهنا باقي النمل يستقبل هذه الإشارة لينتبه إلى باقي الإشارات التي ستصدرها النملة.

2- ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾: هنا أتبعت النملة كلامها بإشارة أخرى تأمر فيها باقي النمل بما يجب القيام به، وسنرى هذه العلاقة بما أثبته العلم في الشق الآخر للتحليل العلمي.

3- ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُه﴾: في هذه العبارة قامت النملة بتوضيح سبب الخطر لرفيقاتها، وهذا ما سنثبت أيضاً علاقته مع ما ذكره التحليل العلمي.

4- ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: النمل وكردة فعل لما سبق من إنذارات سيحاول القيام بنوع من الدفاع، وفي هده العبارة الأخيرة وضحت النملة لباقي رفيقاتها بأنه لا ضرورة للدخول في هجوم مع هذا الخطر؛ لأنه ليس نابعاً عن عدو حقيقي هدفه الهجوم على المملكة، إذ أن سليمان وجنوده لم يشعروا أصلاً بوجود وادي النمل في طريقهم؛ لهذا فهو لا يعتبر عدواً حقيقياً.

ونلاحظ أن هذه العبارة الأخيرة قامت فيها النملة بمنع باقي رفيقاتها من الدخول في حالة مواجهة مع سيدنا سليمان عليه السلام، وهذا ما سنثبته عملياً من خلال التحليل العلمي للشفرات الكيماوية الخاصة بتواصل النمل.

ها نحن وضحنا هنا تسلسل كلام النملة والذي ينقسم إلى أربع مراحل من العبارات والإشارات. فماذا يقول العلم في هذا الباب. يذكر العلم الحديث أن أهم وسيلة لتواصل النمل في مواقف الخطر والإبلاغ على هذا الخطر هي طريقة التواصل الكيماوية، حيث يصدر النمل أنواعاً مختلفة من هذه المواد كل مادة تعبر عن شفرة خاصة من الكلام؛ بحيث إذا تبعنا تسلسل إخراج هذه المواد من النملة التي بلغت عن الخطر سنجده بالضبط يوافق ما ذكرته النمل في الآية رقم 18 من سورة النمل. فالمواد الكيماوية التي تستخرجها النملة من جسمها في موقف كهذا تنقسم إلى أربع مواد مختلفة، كل مادة تحمل معها لغة وشفرة معينة من الكلام.

المراحل التسلسلية لرد فعل النمل:

أول مادة تصدرها النملة إذا شعرت بوجود الخطر هي مادة (aldéhyde l’hexanal) وهذه المادة تعد حقاً بمثابة صفارة إنذار، فالنمل عند استقباله لهذه المادة الأولى يقوم بالتمركز والانتباه لاستقبال باقي الإشارات، وهذا ما يطابق تماماً أول عبارة نطقت بها النملة ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾، والياء هنا أداة للتنبيه والنداء (يا أيها)!. ثم تقوم النملة بإصدار المادة الكيماوية الثانية وهي مادة l’hexanol، فالنمل يجري في كل الاتجاهات بعد استقباله للمادة الأولى لمعرفة مصدر الخبر، ولكي لا يتوجه النمل بعيداً فيجب على النملة أن تحدد لهم الطريق الذي يسيرون فيه، وهذا ما فعلته نملة سيدنا سليمان عندما قالت: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾، وهذا توجيه من النملة لزملائها أن يذهبوا باتجاه المساكن، إذن هي حددت لهم الطريق، وهذا ما يطابق توجيه حركة النمل.

والمادة الثالثة الكيماوية التي تصدرها النملة هي مادة l’undécanone وهذه المادة دورها بالضبط توضيح سبب الخطر لباقي النمل، وهو ما قامت به النملة في قولها في العبارة الثالثة ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُه﴾، وهذا يتطابق تماماً مع ما ذكرته الآية على لسان النملة، وفي هذه المرحلة التي يستقبل فيها النمل هذه المادة يدخل في استعداد لمواجهة هذا الخطر.

وفي المرحلة الرابعة تصدر النملة مادة كيماوية خاصة le butylocténal توجه بها باقي النمل إلى الدفاع وإلى نوع هذا الدفاع، ولهذا نجد النملة ذكرت في عبارتها الأخيرة ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، وبهذا منعت النملة باقي النمل من الانتقال إلى مرحلة الهجوم التي تؤدي إلى الموت(20).

ولذلك فقد تبسم سيدنا سليمان عليه السلام من عجيب مقالتها وحسن فطنتها وقوة تعبيرها.

والآن نلخص ما ذكرناه:

l’hexanal ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾

l’hexanol ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾

l’undécanone ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾

Le butylocténal ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾

ولقد أشار القرآن أن النمل مخلوق اجتماعي يعيش في مستعمرات، وهو مخلوق متعاون متكاتف يشعر كل فرد منه بشعور الآخرين، ويظهر ذلك في سلوك النملة وفي إنذار قومها، ويعيش النمل ضمن مستعمرات يقوم ببنائها، وقد تتجاور أعداد كبيرة من المستعمرات مكونة مدينة أو وادياً للنمل كما سمي ذلك في القرآن الكريم، ففي جبال بنسلفانيا إحدى الولايات الأمريكية أكتشف أحد العلماء أحد أكبر مدن النمل في العالم، وقد بني معظمها تحت الأرض وتشغل مساحتها ثلاثين فداناً حفرت فيها منازل النمل تتخللها الشوارع والمعابر والطرق، وكل نملة تعرف طريقها إلى بيتها بإحساس غريب. ويمكن أن تصل أعماق مملكة النمل في بعض الأنواع التي تعيش في غابات الأمازون إلى (5 أمتار) واتساعها 7 أمتار تُنشئ النملات فيها مئات الغرف والأنفاق، ويُحفر وينقل قرابة (أربعين طن) من التراب إلى الخارج، وهذه الهندسة المعمارية للمملكة معجزة من معجزات الخلق(21).

النملة تتحطم!

في زمن نزول القرآن الكريم لم يكن لأحد قدرة على دراسة تركيب جسم النملة أو معرفة أي معلومات عنه، ولكن بعد دراسات كثيرة تأكد العلماء أن للنمل هيكلاً عظمياً خارجياً صلباً جداً يسمى exoskeleton ولذلك فإن النملة لدى تعرضها لأي ضغط فإنها تتحطم، ولذلك قال تعالى على لسان النملة: ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾، وبالتالي فإن كلمة ﴿يَحْطِمَنَّكُمْ﴾والتي تعني التكسر دقيقة جداً من الناحية العلمية(22).

وتشير دراسات جديدة أيضاً إلى أن جسم النمل يتركب معظمه من كمية كبيرة من السليكون الذي يدخل في صناعة الزجاج، والتحطيم هو أنسب الأوصاف للفعل الدالّ على التكسير والتهشيم والشدة(23).

ويقول أحد العلماء جاءت العبارة ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ هنا للدلالة على طبيعة جسم النملة المفصلية (Arthropods) التي تحتاج إلى تحطيم، حيث يتكون جسمها الخارجي من مادة صلبة كالزجاج هي الكيتين (Chitin)، وهذه المادة تشابه في تركيبها الكيراتين مادة التكوين للقرون والحوافر والأظافر، كذلك اكتشف أن أعين النملة ذات طبيعة بلورية كالزجاج لا تنكسر بسهولة بل تحتاج إلى تحطيم(24).

وجه الإعجاز:

بعد هذا السرد للمعاني البلاغية للآية الكريمة فإننا نجد أنفسنا أمام نصوص قليلة اللفظ ولكنها محكمة السبك بديعة المعنى، وكل هذا يشهد بأن القرآن الكريم اشتمل على بلاغة وفصاحة لا يمكن أن يصل إليها البشر مجتمعين، فكان هذا أحد وجوه الإعجاز الذي جاءت به الرسالة الخاتمة.

وتجلى لنا نحن وجه آخر من وجوه الإعجاز، وهو الإعجاز العلمي في هذه الآية الكريمة، فقد اكتشف العلم الحديث أن للنمل لغة يتخاطب بها، وأنه يستخدمها في التفاهم والتحذير، وهذا عين ما دلت عليه الآية، ورأينا كيف تدرج التحذير في الآية تدرجاً يتطابق مع اللغة التي يستخدمها النمل عند شعوره بالخطر، وكذلك كشفت الآية عن طبيعة جسم النملة، وأنه جسم يتحطم عند تعرضه للضغط. وكل هذه دلائل واضحة على اشتمال القرآن الكريم على حقائق علمية سبق بها العلوم الحديثة، فأخبر عنها في وقت خلت فيه أبسط أنواع الوسائل التي تمكن من تلك الاكتشافات، فجاء سابقاً لها بوقت طويل جداً. وهذه شواهد متعددة في آية واحدة تشهد بأن هذا القرآن نزل من عند الله تعالى، مشتملاً على علمه سبحانه وتعالى، ليكون شاهداً على الناس جميعاً في كل زمان ومكان.

الإعجاز في قوله تعالى (حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون)

الأربعاء 15 / أغسطس / 2018

الإعجاز العلمي في الآية الكريمة:

اكتشف العلماء أن للنمل لغات تفاهم خاصة بينها وذلك من خلال تقنية التخاطب من خلال الشفرات الكيماوية، وربما كان الخطاب الذي وجهته النملة إلى قومها هو عبارة عن شفرة كيماوية.فقد أثبتت أحدث الدراسات العلمية أن لكل نوع من أنواع الحيوانات رائحة خاصة به، وداخل النوع الواحد هناك روائح إضافية تعمل بمثابة بطاقة شخصية أو جواز سفر للتعريف بشخصية كل حيوان أو العائلات المختلفة، أو أفراد المستعمرات المختلفة. ولم يكن عجيباً أن نجد أحد علماء التاريخ الطبيعي وهو (رويال وكنسون) قد صنف كتاباً مهماً جعل عنوانه (شخصية الحشرات).

والرائحة تعتبر لغة خفية أو رسالة صامتة تتكون مفرداتها من مواد كيماوية أطلق عليها العلماء اسم (فرمونات)، وتجدر الإشارة إلى أنه ليست كل الروائح (فرمونات)، فالإنسان يتعرف على العديد من الروائح في الطعام مثلاً ولكنه لا يتخاطب أو يتفاهم من خلال هذه الروائح، ويقصر الباحثون استخدام كلمة (فرمون) على وصف الرسائل الكيماوية المتبادلة بين حيوان من السلالة نفسها، وعليه فقد توصف رائحة بأنها (فرمون) بالنسبة إلى حيوان معين، بينما تكون مجرد رائحة بالنسبة لحيوان آخر.

وإذا طبقنا هذا على عالم النمل نجد أن النمل يتميز برائحة خاصة تدل على العش الذي ينتمي إليه، والوظيفة التي تؤديها كل نملة في هذا العش حيث يتم إنتاج هذه الفرمونات من غدة قرب الشرج، وحينما تلتقي نملتان فإنهما تستخدمان قرون الاستشعار، وهي الأعضاء الخاصة بالشم، لتعرف الواحدة الأخرى.

وقد وجد أنه إذا دخلت نملة غريبة مستعمرة لا تنتمي إليها، فإن النمل في هذه المستعمرة يتعرفن عليها عن طريق رائحتها ويعدها عدواً، ثم يبدأ في الهجوم عليها، ومن الطريف أنه في إحدى التجارب المعملية وجد أن إزالة الرائحة الخاصة ببعض النمل التابع لعشيرة معينة ثم إضافة رائحة خاصة بنوع آخر عدو له، أدى إلى مهاجمته بأفراد من عشيرته نفسها. وفي تجربة أخرى تم غمس نملة برائحة نملة ميتة ثم أعيدت إلى عشها، فلوحظ أن أقرانها يخرجونها من العش لكونها ميتة، وفي كل مرة تحاول فيها العودة يتم إخراجها ثانية على الرغم من أنها حية تتحرك وتقاوم، وحينما تمت إزالة رائحة الموت فقط تم السماح لهذه النملة بالبقاء في العش. وحينما تعثر النملة الكشافة على مصدر للطعام فإنها تقوم على الفور بإفراز (الفرمون) اللازم من الغدد الموجودة في بطنها لتعليم المكان ثم ترجع إلى العش، وفي طريق عودتها لا تنسى تعليم الطريق حتى يتعقبها زملاؤها، وفي الوقت نفسه يضيفون مزيداً من الإفراز لتسهيل الطريق أكثر فأكثر. ومن العجيب أن النمل يقلل الإفراز عندما يتضاءل مصدر الطعام ويرسل عدداً أقل من الأفراد إلى مصدر الطعام، وحينما ينضب هذا المصدر تماماً فإن آخر نملة، وهي عائدة إلى العش لا تترك أثراً على الإطلاق.

وهنالك العديد من التجارب التي يمكن إجراؤها على دروب النمل هذه، فإذا أزلت جزءاً من هذا الأثر بفرشاة مثلاً، فإن النمل يبحث في المكان وقد أصابه الارتباك حتى يهتدي إلى الأثر ثانية، وإذا وضعت قطعة من الورق بين العش ومصدر الطعام فإن النمل يمشي فوقها واضعاً أثراً كيماوياً فوقها، ولكن لفترة قصيرة، حيث إنه إذا لم يكن هناك طعام عند نهاية الأثر، فإن النمل يترك هذا الأثر ويبدأ في البحث عن طعام من جديد(19).

لقد أشار القرآن الكريم إلى حقيقة علمية كبيرة وهي ذكاء النمل وقدرته على المحاكمة العقلية والفكرية ومواجهة الأخطار وذلك من خلال هذه القصة التي حدثت مع نبي الله سليمان عليه السلام وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، فقد استطاعت نملة صغيرة من تحديد مكان سليمان والطريق الذي سوف يمر به وهذا لم يكن ليتم لولا هذه القدرات الخارقة التي يتمتع بها النمل. ولقد كشف العلم الحديث عن بعض العجائب من سلوك النمل الذكي وتطور جهازها العصبي فعند دراسته تحت المجهر يظهر لنا أن دماغ النملة يتكون من فصين رئيسيين يشبه مخ الإنسان، ومن مراكز عصبية متطورة وخلايا حساسة.

(صورة حديثة لدماغ النملة)

A: صورة الدماغ كما يظهر بواسطة الفلور المشع.

B: صورة للجزء الخاص بتحليل المعلومات في دماغ النملة.

C: منحنى يبين استجابة النملة لدى نشر رائحة معينة، حيث نلاحظ وجود نشاط في الدماغ تمثله القفزة في المنحنى.

D: اختبار للنملة بواسطة كرة إلكترونية تظهر ذكاء النمل وسرعة استجابته للمؤثرات.

وسنحاول تفصيل العبارات التي نطقت بها النملة من خلال ما جاء في القرآن الكريم ونربطه بالاكتشافات العلمية لنجد أن القرآن الكريم سبق هذه الاكتشافات بمئات السنين، يقول رب العزة في كتابه المبين: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: 18]، فالنملة في هذه الآية أوصلت خبر الخطر في أربع مراحل متسلسلة.. وهي كالتالي:

1- ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾: وهذه العبارة بمثابة أول صفارة إنذار أطلقتها النملة لتثير الانتباه العاجل لباقي النمل، وهنا باقي النمل يستقبل هذه الإشارة لينتبه إلى باقي الإشارات التي ستصدرها النملة.

2- ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾: هنا أتبعت النملة كلامها بإشارة أخرى تأمر فيها باقي النمل بما يجب القيام به، وسنرى هذه العلاقة بما أثبته العلم في الشق الآخر للتحليل العلمي.

3- ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُه﴾: في هذه العبارة قامت النملة بتوضيح سبب الخطر لرفيقاتها، وهذا ما سنثبت أيضاً علاقته مع ما ذكره التحليل العلمي.

4- ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: النمل وكردة فعل لما سبق من إنذارات سيحاول القيام بنوع من الدفاع، وفي هده العبارة الأخيرة وضحت النملة لباقي رفيقاتها بأنه لا ضرورة للدخول في هجوم مع هذا الخطر؛ لأنه ليس نابعاً عن عدو حقيقي هدفه الهجوم على المملكة، إذ أن سليمان وجنوده لم يشعروا أصلاً بوجود وادي النمل في طريقهم؛ لهذا فهو لا يعتبر عدواً حقيقياً.

ونلاحظ أن هذه العبارة الأخيرة قامت فيها النملة بمنع باقي رفيقاتها من الدخول في حالة مواجهة مع سيدنا سليمان عليه السلام، وهذا ما سنثبته عملياً من خلال التحليل العلمي للشفرات الكيماوية الخاصة بتواصل النمل.

ها نحن وضحنا هنا تسلسل كلام النملة والذي ينقسم إلى أربع مراحل من العبارات والإشارات. فماذا يقول العلم في هذا الباب. يذكر العلم الحديث أن أهم وسيلة لتواصل النمل في مواقف الخطر والإبلاغ على هذا الخطر هي طريقة التواصل الكيماوية، حيث يصدر النمل أنواعاً مختلفة من هذه المواد كل مادة تعبر عن شفرة خاصة من الكلام؛ بحيث إذا تبعنا تسلسل إخراج هذه المواد من النملة التي بلغت عن الخطر سنجده بالضبط يوافق ما ذكرته النمل في الآية رقم 18 من سورة النمل. فالمواد الكيماوية التي تستخرجها النملة من جسمها في موقف كهذا تنقسم إلى أربع مواد مختلفة، كل مادة تحمل معها لغة وشفرة معينة من الكلام.

المراحل التسلسلية لرد فعل النمل:

أول مادة تصدرها النملة إذا شعرت بوجود الخطر هي مادة (aldéhyde l’hexanal) وهذه المادة تعد حقاً بمثابة صفارة إنذار، فالنمل عند استقباله لهذه المادة الأولى يقوم بالتمركز والانتباه لاستقبال باقي الإشارات، وهذا ما يطابق تماماً أول عبارة نطقت بها النملة ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾، والياء هنا أداة للتنبيه والنداء (يا أيها)!. ثم تقوم النملة بإصدار المادة الكيماوية الثانية وهي مادة l’hexanol، فالنمل يجري في كل الاتجاهات بعد استقباله للمادة الأولى لمعرفة مصدر الخبر، ولكي لا يتوجه النمل بعيداً فيجب على النملة أن تحدد لهم الطريق الذي يسيرون فيه، وهذا ما فعلته نملة سيدنا سليمان عندما قالت: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾، وهذا توجيه من النملة لزملائها أن يذهبوا باتجاه المساكن، إذن هي حددت لهم الطريق، وهذا ما يطابق توجيه حركة النمل.

والمادة الثالثة الكيماوية التي تصدرها النملة هي مادة l’undécanone وهذه المادة دورها بالضبط توضيح سبب الخطر لباقي النمل، وهو ما قامت به النملة في قولها في العبارة الثالثة ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُه﴾، وهذا يتطابق تماماً مع ما ذكرته الآية على لسان النملة، وفي هذه المرحلة التي يستقبل فيها النمل هذه المادة يدخل في استعداد لمواجهة هذا الخطر.

وفي المرحلة الرابعة تصدر النملة مادة كيماوية خاصة le butylocténal توجه بها باقي النمل إلى الدفاع وإلى نوع هذا الدفاع، ولهذا نجد النملة ذكرت في عبارتها الأخيرة ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، وبهذا منعت النملة باقي النمل من الانتقال إلى مرحلة الهجوم التي تؤدي إلى الموت(20).

ولذلك فقد تبسم سيدنا سليمان عليه السلام من عجيب مقالتها وحسن فطنتها وقوة تعبيرها.

والآن نلخص ما ذكرناه:

l’hexanal ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾

l’hexanol ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾

l’undécanone ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾

Le butylocténal ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾

ولقد أشار القرآن أن النمل مخلوق اجتماعي يعيش في مستعمرات، وهو مخلوق متعاون متكاتف يشعر كل فرد منه بشعور الآخرين، ويظهر ذلك في سلوك النملة وفي إنذار قومها، ويعيش النمل ضمن مستعمرات يقوم ببنائها، وقد تتجاور أعداد كبيرة من المستعمرات مكونة مدينة أو وادياً للنمل كما سمي ذلك في القرآن الكريم، ففي جبال بنسلفانيا إحدى الولايات الأمريكية أكتشف أحد العلماء أحد أكبر مدن النمل في العالم، وقد بني معظمها تحت الأرض وتشغل مساحتها ثلاثين فداناً حفرت فيها منازل النمل تتخللها الشوارع والمعابر والطرق، وكل نملة تعرف طريقها إلى بيتها بإحساس غريب. ويمكن أن تصل أعماق مملكة النمل في بعض الأنواع التي تعيش في غابات الأمازون إلى (5 أمتار) واتساعها 7 أمتار تُنشئ النملات فيها مئات الغرف والأنفاق، ويُحفر وينقل قرابة (أربعين طن) من التراب إلى الخارج، وهذه الهندسة المعمارية للمملكة معجزة من معجزات الخلق(21).

النملة تتحطم!

في زمن نزول القرآن الكريم لم يكن لأحد قدرة على دراسة تركيب جسم النملة أو معرفة أي معلومات عنه، ولكن بعد دراسات كثيرة تأكد العلماء أن للنمل هيكلاً عظمياً خارجياً صلباً جداً يسمى exoskeleton ولذلك فإن النملة لدى تعرضها لأي ضغط فإنها تتحطم، ولذلك قال تعالى على لسان النملة: ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾، وبالتالي فإن كلمة ﴿يَحْطِمَنَّكُمْ﴾والتي تعني التكسر دقيقة جداً من الناحية العلمية(22).

وتشير دراسات جديدة أيضاً إلى أن جسم النمل يتركب معظمه من كمية كبيرة من السليكون الذي يدخل في صناعة الزجاج، والتحطيم هو أنسب الأوصاف للفعل الدالّ على التكسير والتهشيم والشدة(23).

ويقول أحد العلماء جاءت العبارة ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ هنا للدلالة على طبيعة جسم النملة المفصلية (Arthropods) التي تحتاج إلى تحطيم، حيث يتكون جسمها الخارجي من مادة صلبة كالزجاج هي الكيتين (Chitin)، وهذه المادة تشابه في تركيبها الكيراتين مادة التكوين للقرون والحوافر والأظافر، كذلك اكتشف أن أعين النملة ذات طبيعة بلورية كالزجاج لا تنكسر بسهولة بل تحتاج إلى تحطيم(24).

وجه الإعجاز:

بعد هذا السرد للمعاني البلاغية للآية الكريمة فإننا نجد أنفسنا أمام نصوص قليلة اللفظ ولكنها محكمة السبك بديعة المعنى، وكل هذا يشهد بأن القرآن الكريم اشتمل على بلاغة وفصاحة لا يمكن أن يصل إليها البشر مجتمعين، فكان هذا أحد وجوه الإعجاز الذي جاءت به الرسالة الخاتمة.

وتجلى لنا نحن وجه آخر من وجوه الإعجاز، وهو الإعجاز العلمي في هذه الآية الكريمة، فقد اكتشف العلم الحديث أن للنمل لغة يتخاطب بها، وأنه يستخدمها في التفاهم والتحذير، وهذا عين ما دلت عليه الآية، ورأينا كيف تدرج التحذير في الآية تدرجاً يتطابق مع اللغة التي يستخدمها النمل عند شعوره بالخطر، وكذلك كشفت الآية عن طبيعة جسم النملة، وأنه جسم يتحطم عند تعرضه للضغط. وكل هذه دلائل واضحة على اشتمال القرآن الكريم على حقائق علمية سبق بها العلوم الحديثة، فأخبر عنها في وقت خلت فيه أبسط أنواع الوسائل التي تمكن من تلك الاكتشافات، فجاء سابقاً لها بوقت طويل جداً. وهذه شواهد متعددة في آية واحدة تشهد بأن هذا القرآن نزل من عند الله تعالى، مشتملاً على علمه سبحانه وتعالى، ليكون شاهداً على الناس جميعاً في كل زمان ومكان.